فينا معاشر لم يبنوا لقومهم وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا ،،، بقلم / مشعل السعيد

هذا البيت إذا تأملته وجدت انه صالح لكل زمان، وخاصة عندنا في الكويت، فقد زاد الهرج والمرج، وتطاول السفهاء على العقلاء، حتى ان ما بناه وشيده الأجداد بدأ يهدم بفعل جهال لا يرعوون ويستكينون حتى يصابوا بقارعة، فنرى الجاهل صار علما والسفيه اصبح عاقلا، والبيت الذي أشرت إليه يشير الى هذه الشرذمة التعيسة البئيسة، ومعناه: ان فينا وبيننا جماعات لم يبنوا لقومهم إلا الخيبة، يهدمون مجد قومهم وان بنى عقلاؤهم ما خربوه بأيديهم عادوا وهدموا ما اصلح القوم، ثم يقول:
لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم
فالجهل منهم معا والغي ميعاد
والمعنى ان هؤلاء السفهاء الجهلة لا يريدون أن يهتدوا ولا يستمعون لمن يريد لهم الهداية والنصح، لماذا؟ لانهم يجمعون الجهل والغي، ثم يتابع وصف هؤلاء الغواة الجهلة فيقول: أضحوا كقيل ابن عتر في عشيرته—إذ أهلكت بالذي سدى لهم عاد، وقيل بن عتر هذا ضمن وفد عاد الذين ذهبوا الى الحرم يستسقون لقومهم وهم قيل بن عتر ولقمان بن عاد ومرثد وعارق، فرفعت لهم ثلاث سحائب، فاختار قيل السوداء فقيل له اخترت رماد رمددا، لا تبقي من عاد أحدا، ولا والدا ولا ولدا، إلا جعلته همدا، فأهلكت بها عاد، وكان وفد عاد قد انشغل عن الأمر الذي جاء من أجله بالشراب عند رجل من جرهم، حتى هلك قومهم، فلما مضت السحابة السوداء نحو بلاد عاد بالريح العقيم نهضوا حين رأوها الى الشعب، وكانوا قد استفاقوا من لهوهم وشربهم، وتذكروا الأمر الذي جاءوا من أجله، وعلموا أن السحابة قصدت نحو بلادهم، فخرجوا يريدون أرضهم، فأتاهم آت فقال لهم: إن عادا قد أهلكها الله، ولم يبق منها غيركم، فاختاروا ما تريدون، فاختار قيل اللحاق بقومه، فضربه الصر فقتله، واختار مرثد وعارق حياة ألف سنة، والنزول على ساحل البحر بالقرب من ديارهما فأعطيا ذلك، واختار لقمان ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، ودبرا نثورا، فقال له المخبر: اخترت الحياة آخر الدهر ولا حياة فاختر غير هذا، فاختار عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ فرخ النسر من وكره ويربيه، فلا يزال عنده حتى يهرم ويموت، ثم يأخذ غيره حتى أخذ آخرها «لبد» وكان أطولها عمرا، فكان ينظر إليه، فإذا تفرس فيه قال: يا لبد أهلكتني وأهلكت نفسك، «انتهى». واعود الى شاعر هذه الأبيات وهو الأفوه الأودي، واسمه صلاءة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث بن عوف بن منبه بن أود بن صعب بن سعد العشيرة المذحجي، ابو ربيعة، وكان الأفوه من كبار الشعراء القدماء في الجاهلية، وهو سيد قومه وقائدهم في حروبهم يصدرون عن رأيه، والعرب تعده من حكمائها، وأبياته التي ذكرت بعضها من فاخر الشعر العربي، ومن حكم العرب وآدابها، وهي من البحر البسيط، ولقب بالأفوه لانه كان غليظ الشفتين ظاهر الأسنان، والأودي نسبة لبني أود، وكان يقال لأبيه عمرو بن مالك فارس الشوهاء وفي ذلك يقول:
أبي فارس الشوهاء عمرو بن مالك
غداة الوغى إذ مال بالجد عاثر
هذا ودمتم سالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.